بقلم: د. نرمين جمعة
في كل مرة يعلو فيها صوت التريند، يظهر سؤال قديم في ثوب جديد: هل ما يحظى بأكبر قدر من المشاهدة هو بالضرورة ما يستحق أن يبقى؟
السؤال لا يتعلق بفنان بعينه، ولا هو دعوة للعودة إلى الماضي ورفض كل ما هو جديد، وإنما يتعلق بفكرة أعمق بكثير؛ فكرة قيمة الفن، ومعايير النجاح، وما الذي نريده من المشهد الفني في زمن أصبحت فيه الشهرة أسرع من أي وقت مضى.
ومن هنا يأتي الحديث عن الفنان مجدي صبحي، ليس باعتباره مجرد اسم من أسماء جيل فني سابق، وإنما باعتباره واحدًا من الفنانين الذين ارتبط حضورهم بفكرة مختلفة عن معنى المهنة.

ففي زمن كان الفنان فيه يحتاج إلى سنوات من العمل والتجربة حتى يثبت اسمه، كانت الموهبة هي رأس المال الحقيقي، وكانت خشبة المسرح والشاشة اختبارًا مستمرًا لقدرة الفنان على إقناع الجمهور، وليس مجرد مساحة للظهور.
الفن ليس مجرد شهرة
ربما يكون من السهل اليوم أن يصبح الإنسان معروفًا.
صورة تنتشر، مقطع يحقق ملايين المشاهدات، ظهور يثير الجدل، أو أغنية تتحول خلال ساعات إلى حديث الناس.
لكن الشهرة شيء، والفن شيء آخر.
فالشهرة قد تأتي سريعًا، بينما يحتاج الفن إلى وقت حتى يثبت نفسه.
وقد يختفي التريند بعد أيام، بينما يبقى مشهد مسرحي أو شخصية فنية في ذاكرة الجمهور سنوات طويلة.

وهنا تحديدًا تظهر قيمة أجيال فنية مثل جيل مجدي صبحي؛ أجيال لم تكن تملك أدوات التواصل الحالية، لكنها امتلكت شيئًا لا يمكن لأي منصة أن تمنحه للإنسان: الخبرة والموهبة والتراكم الفني.
مجدي صبحي.. من جيل كان يحترم المهنة
الحديث عن مجدي صبحي يستدعي الحديث عن مدرسة فنية كان احترام المهنة جزءًا أساسيًا من تكوينها.
الفنان لم يكن مجرد شخص يقف أمام الكاميرا أو على خشبة المسرح، وإنما كان مطالبًا بأن يمتلك أدواته، وأن يتعلم، ويتدرب، ويعرف قيمة النص، ويدرك أن الجمهور لا يمنح ثقته بسهولة.
وهذا لا يعني أن أبناء الأجيال الجديدة يفتقدون الموهبة.
بالعكس.
هناك مواهب حقيقية وجديدة تستحق التقدير.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتشار معيارًا وحيدًا للحكم على الموهبة، وعندما يصبح الجدل أهم من العمل، والمشاهدة أهم من القيمة، والظهور أهم من القدرة على الاستمرار.
هل التريند أصبح معيارًا جديدًا للنجاح؟
التريند في حد ذاته ليس عدوًا للفن.
فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءًا من حياتنا، وأصبحت وسيلة مهمة لاكتشاف المواهب والوصول إلى الجمهور.
لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول التريند من وسيلة إلى غاية.
عندما يصبح السؤال:
«كم مشاهدة حقق العمل؟»
أهم من:
«ماذا قدم العمل؟»
وعندما يصبح الجدل حول الفنان أكبر من الحديث عن موهبته، يصبح المشهد بحاجة إلى مراجعة حقيقية.
لأن الجمهور قد يضغط على زر المشاهدة بدافع الفضول، لكنه ليس بالضرورة قد منح العمل شهادة جودة.
وهنا يجب أن نفرق بين ما يشاهده الناس وما يقدّرونه.
الجمهور شريك في صناعة المشهد
لا يمكن تحميل الفنان وحده مسؤولية تغير الذوق العام.
فالجمهور شريك أساسي في صناعة السوق الفني.
ما نشاهده بكثرة ينتشر.
وما نشاركه يصل إلى عدد أكبر من الناس.
وما نمنحه اهتمامنا يصبح أكثر حضورًا.
ولهذا، فإن الحديث عن تراجع مستوى بعض الأعمال لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد لوم للفنانين، بل يجب أن يدفعنا أيضًا إلى سؤال أنفسنا:
ماذا نختار أن نشاهد؟
فإذا كنا نريد فنًا راقيًا، فعلينا أن نعطي الفن الراقي مساحة من اهتمامنا.
وإذا كنا نريد احترامًا للكلمة والصورة والأداء، فعلينا ألا نجعل الإسفاف أسرع طريق إلى الشهرة.
لا نريد حربًا بين الأجيال
ليس الهدف أن نقول إن كل ما جاء من الماضي عظيم، وإن كل ما يقدمه الحاضر ضعيف.
هذه مقارنة غير عادلة.
لكل زمن أدواته، ولكل جيل لغته، ولكل مرحلة جمهورها.
لكن هناك أشياء لا تتغير بتغير الزمن.
الموهبة لا تصبح قديمة.
الاحتراف لا يصبح موضة.
احترام الجمهور لا يفقد قيمته.
والفنان الحقيقي يستطيع أن يتطور مع العصر دون أن يتنازل عن الأساس الذي صنع قيمته.
وهذا ربما يكون أحد أهم الدروس التي يمكن أن نتعلمها من جيل مجدي صبحي.
الفن الذي يبقى
هناك فرق كبير بين أن تكون حاضرًا في كل مكان، وأن تكون حاضرًا في ذاكرة الناس.
الأول قد تصنعه الخوارزميات.
أما الثاني فلا يصنعه إلا العمل.
قد يصنع التريند نجمًا في ليلة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع تاريخًا.
وقد تمنح المنصات ملايين المشاهدات لمحتوى ما، لكن المشاهدة لا تضمن أن يبقى هذا المحتوى بعد سنوات.
أما الفنان الذي يبني اسمه على الموهبة والخبرة والاحترام، فربما لا يكون دائمًا الأعلى ضجيجًا، لكنه يملك فرصة أكبر لأن يصبح جزءًا من ذاكرة الفن.

وهنا تحديدًا تتجلى قيمة مجدي صبحي وأبناء جيله.
ليس لأنهم ينتمون إلى الماضي، وإنما لأنهم يذكروننا بمعنى مهم جدًا:
أن الفن مهنة قبل أن يكون تريندًا، وموهبة قبل أن يكون شهرة، وأثر قبل أن يكون عدد مشاهدات.
وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة في أن لدينا تريندات كثيرة، وإنما في أن نسمح للتريند بأن يصبح المعيار الوحيد الذي نحكم به على الفن.
فالفن الحقيقي يستطيع أن يتغير مع الزمن…
لكن قيمته لا ينبغي أن تتغير.
فالتريند قد يصنع شهرة مؤقتة، أما الفن الحقيقي فيصنع أثرًا لا ينتهي.